سيد قطب

2148

في ظلال القرآن

وهكذا عجلوا له البشرى ، وعجل بها السياق دون تفصيل . كذلك يثبت هنا رد إبراهيم ولا يدخل امرأته وحوارها في هذه الحلقة : « قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر ؟ فبم تبشرون ؟ » فقد استبعد إبراهيم في أول الأمر أن يرزق بولد وقد مسه الكبر ( وزوجته كذلك عجوز عقيم كما جاء في مجال آخر ) فرده الملائكة إلى اليقين : « . . قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين » . . أي من اليائسين . فآب إبراهيم سريعا ، ونفى عن نفسه القنوط من رحمة اللّه : « قال : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ؟ » وبرزت كلمة « الرحمة » في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق ؛ وبرزت معها الحقيقة الكلية : أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . الضالون عن طريق اللّه ، الذين لا يستروحون روحه ، ولا يحسون رحمته ، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته . فأما القلب الندي بالإيمان ، المتصل بالرحمن ، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد ، ومهما ادلهمت حوله الخطوب ، ومهما غام الجو وتلبد ، وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر . . فإن رحمة اللّه قريب من قلوب المؤمنين المهتدين . وقدرة اللّه تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج ، وتغير الواقع كما تغير الموعود . وهنا - وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة ، وثابت نفسه واطمأنت للبشرى - راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته : « قال : فما خطبكم أيها المرسلون ؟ قالوا : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين « 1 » » . . ولا يعرض السياق لجدال إبراهيم عن لوط وقومه هنا كما عرض له في سورة هود . بل يصل إخبار الملائكة له ، بالنبإ كله . ذلك أنه يصدق رحمة اللّه بلوط وأهله ، وعذابه لامرأته وقومه . وينتهي بذلك دورهم مع إبراهيم ، ويمضون لعملهم مع قوم لوط . . « فلما جاء آل لوط المرسلون ، قال : إنكم قوم منكرون . قالوا : بل جئناك بما كانوا فيه يمترون . وأتيناك بالحق وإنا لصادقون . فأسر بأهلك بقطع من الليل ، واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد ، وامضوا حيث تؤمرون . وقضينا إليه ذلك الأمر : أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين » . . وهكذا يعجل السياق إخبارهم للوط بأنهم الملائكة ، جاءوه بما كان قومه يمترون فيه من أخذهم بذنوبهم وإهلاكهم جزاء ما يرتكبون ، تصديقا لوعد اللّه ، وتوكيدا لوقوع العذاب حين ينزل الملائكة بلا إبطاء . « قال : إنكم قوم منكرون » . . قالها ضيّق النفس بهم ، وهو يعرف قومه ، ويعرف ما ذا سيحاولون بأضيافه هؤلاء ، وهو بين قومه غريب ، وهم فجرة فاحشون . . إنكم قوم منكرون أن تجيئوا إلى هذه القرية وأهلها مشهورون بما يفعلون مع أمثالكم حين يجيئون !

--> ( 1 ) أي إنها باقية مع القوم تلقى مصيرهم . وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع .